كلمات متناثرة

الإفطار على البشاعة

سأسميه محمدا، شاب على الأرجح لم يكمل عامه الأول بعد العشرين، سمح المحيا، دائم الابتسام، لا تخطئه العين في صلاة الفجر، يجوس بين الكراسي ليلا منظفا ما خلف موظفون يتقاضى أقلهم راتبا، ما يجنيه هو في عام كامل، قذفت به الأقدار من أقاصي شبه الجزيرة الهندية إلى موانئ الخليج العربي، بحثا عن ما يسد رمقه، ويكفيه مؤونة الموت غرقا في قارب متوجه إلى شاطئ آخر.
نحيف جدا كرغيف أمه، في يده هاتف قديم الطراز، وحين يسبتد به الشوق ويسعفه الجيب، ينزوي فجرا في زاوية بين المكاتب يجري مكالمة قصيرة،  ربما ليطمئن قلب أمه، ولا شك أنه يحدثها بكثير من المبالغة عن حياته تطييبا لخاطرها، كما يفعل جل المغتربين.
مررت به مسندا ظهره إلى جدار أحد المكاتب، مسترقا لحظة صفاء في ليل رمضاني بدا هادئا في المكان الذي اختار لخلوته.
 كانت عينه مسمرة على شاشة كبيرة من التي تعج بها جدران المؤسسة التي يعمل بها، وعلى الشاسة كانت الرؤوس تتطاير، وقفص من حديد مغلق على خمسة أو ستة أشخاص يغرق في بركة ماء، ودماء تسيل من جريح محجوب الوجه -وإن كانت أمه تعرفه-.
كان محمد مستغرقا، لم يكن يصدر من الشاشة الكبيرة صوت، وحتى إن صدر فإن رصيده القليل من المفردات العربية لن يسعفه الفهم، ولكنه بدا مدركا لمضمون التقرير التلفزيوني الذي يتحدث عن جرائم غلاة المتطرفين.
 تباطأت عمدا لرصد رد فعله، كانت ملامح وجهه السمح تنقبض مع كل صورة، وأحسست كأنه يغالب قيئا، وهو الذي يظل نهاره صائما ويقضي ليله في عمله المضني، وربما لم يشبع يوما.. 
ترى ماذا كان يحدث نفسه في تلك اللحظة؟
ربما لا يعرف محمد عن الإسلام إلا قليلا مما لقنه من لا يعرف عنه كثيرا، ولكنه متشبع بروح بالإسلام، وكثيرا ما رأيته يطيل المكث في المسجد رافعا يديه إلى الله حين يخلو المسجد ممن غافلوا مشاغلهم فركعوا ما كتب عليهم.
 وضاءة وجهه الآسيوي، وابتسامته في وجه كل من يقابل وحرصه على الإتقان وأدبه في الاستئذان حين تتزاحم الكراسي وتتناثر الأوراق بينها، دليل على أنه مؤمن صافي القلب، – ولا أزكيه على الله – لكنه يشاهد القنوات الإخبارية العربية. 
يشاهدها ليس حبا في متابعة التطورات في العالم الإسلامي، ولا اهتماما بشؤون المسلمين – ربما يهتم بهم أكثر ممن يدعي ذلك – ولكنه يشاهد التلفزيون تزجيه لوقت فراغه القليل، وهو تلفزيون صامت، لا تتحدث فيه إلا الصور، والصور أكثر صخبا من كل الصحافيين.
ربما لو صام محمد رمضانه هذا في بنغلاديش لكان إفطاره على ابتسامته أمه وكأس من الحساء الحار، وقطعة خبز، وربما تابع برنامج كاميرا خفية في أحد شوارع دكا المزحمة بالدراجات ثلاثية العجلات، وقد يكون من عاداتهم أن تتحلق العائلة كلها حول تلفزيون صغير – إن كان في بيته تلفزيون- لمتابعة نشرة الأخبار المحلية، التي قد تذيل بخبر أو اثنين من الأخبار الدولية وعلى الأرجح سيكون الخبران من منطقة الشرق العربي أو الغرب الإسلامي كما يعرف هناك.. وتلك جرعة كافية من البشاعة.
ولكنه صام رمضان – لسوء حظه – في البلاد العربية، هنا حيث يكون إفطار الإنسان مغموسا بالدم، تتنازع المرء فيه المرارة إن أفطر شهيا، أو يغص حلقه بلقمته لأن التلفزيونات الغبية تتعمد العمل بدوام كامل في هذا الشهر، وهو مضطر لفتح التلفزيونات فلم تعد تلتئم جماعة إلا عليها، وهي بين نوعين، قناة إخبارية تبث صور الدم والموت والدمار فتدمي القلب فلا يستسيغ مشاهدها لقمته، أو قنوات ترفيه تبث العري والسخف فلا يستقيم معها مجلس.
ومحمد لم يأت إلى بلاد العرب بحثا عن أي من ذلك.. جاء مهاجرا باحثا عن الأمن وكسرة خبز لا أكثر، وربما يريد أن يحدث ذويه حين يعود عن الإسلام كما يعيشه العرب، ولكن ماذا سيخبرهم عن إفطار العرب في رمضان؟ 
لم أسال محمدا.. وأرجو أن لا يسأله ذووه حين يعانقونه بعد عامين عائدا بما تبقى من راتبه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى