فسحة سرد

ابتسامة حامدينو..

قصة قصيرة

قرأ الملاحظة المكتوبة على لوحة صغيرة أمام شباك البنك بعناية فائقة؛ ” يرجى أن تعد نقودك قبل المغادرة” تأكد أن المبلغ سبعة آلاف، تماما كما أجابه المحاسب حين سأله عن رصيده الإجمالي. 
نظر إلى هاتفه كانت الساعة العاشرة وعشر دقائق، 
– لا بأس ما زال أمامي وقت كاف – قالها في نفسه – فهي لن تأتي إلا متأخرة ساعة بعد موعدها. 
أسئلة كثيرة دارت في خلده وهو يتأكد من إدخال محفظته المهترئة في جيب قميصه ويحكم إغلاق سحاب سترته، لم يكن الطقس باردا لكنه إجراء أمني تعلمه من الحياة في شوارع نواكشوط. 
ازدحم مع خمسة آخرين في سيارة بالكاد توقفت قرب مفترق طرق شرق السوق المركزية، رن الهاتف في جيبة محدثا اهتزازا شعر به الراكب المتكدس على يمينه، وجد صعوبة بالغة في إيجاد ممر ليده إلى جيب سرواله ، لم يتدارك الرنين لكنها كانت هي المتصلة، ضغط الزر الأيسر ليتصل بها فأيقظته الجملة التي طالما سمعها” عفوا.. ليس لديك رصيد كاف لإجراء هذه المكالمة.

* لن يدوم ذلك طويلا – قالها في نفسه 
حين وصل محطته المقصودة في أقصى حي توجنين كان الأخير الذي بقي في السيارة المتهالكة، وبدت علامات الاستياء على وجه السائق واضحة، ولم يكد يتفوه بعبارته: 
* انعطف يسارا لو سمحت 
حتى انفجر السائق في وجهه: 
* تقطع كل هذه المسافة بمائة واحدة وتطلب مني الإنعطاف أيضا، ألا تقدر أن المازوت زيد سعره في ما انقضى من هذه السنة فقط خمس مرات، وما زال سعر التوصيلة على حاله. 
حاول إبداء نوع من التعاطف مع السائق المنزعج فقال له: 
* كلنا نعاني الحال نفسه، لكن لو انعطفت بي يسارا وانتظرتني عشر دقائق سأعود معك إلى ملتقى طرق مدريد، وسأدفع لك حينها أربعمائة.. ما رأيك..؟ 
لم يجب السائق المتذمر لكنه توقف به أمام المغسلة التي يريد. 
* لباسك غير جاهز، وأرجو أن لا تتذمر فأنت لم تدفع أوقية واحدة منذ شهر.. هكذا بادره الغسال المنشغل بجمع كومة من الملابس المتسخة. 
* سأدفع لك كل شي، ولكني أحتاج ملابسي الآن، فلدي موعد مهم، لا بد أن أكون في لباس لائق 
غمز الغسال ذو العضلات المفتولة بعينه اليسرى : 
* إن كان ذلك فليس في لباسك ما يمكن أن ترتدي.. إلق نظرة على تلك الملابس المرصوصة فوق الطاولة فأصحابها غير مستعجلين، يمكن أن تدفع ألفا وخمسمائة عن الدراعة، تحضر فيها ” لقاءك المهم” وتعيدها غدا. 
اهتز الهاتف في جيبه، كان الصوت مشوشا .. لكنه فهم منه؛ ” ليس لدي رصيد اتصل بي” 
تذكر أن لا رصيد لديه هو الآخر، توجه إلى بائع الرصيد الجالس تحت مظلة أمام الدكان أعطاه ألفا فحول له الفا وخمسمائة من الرصيد. 
عائدا إلى المغسلة، كان السائق المتذمر قد خرج من سيارته صارخا: 
* إذا لم تكن مستعجلا اعطني نقودي وابق هنا إلى يوم القيامة إن شئت 
* انتظر دقيقة من فضلك 
* لا وقت لدي 
تجاهله وتوجه إلى الطاولة، اختار دراعة بيضاء رائعة التطريز ثم التفت إلى الغسال قائلا: 
* أليس معها سروال؟ 
* السراويل هناك، ستدفع خمسمائة أخرى 
* سنتحاسب لاحقا، قالها وهو يقلب السروايل ليتخار ما يناسب الدراعة 
لكن قبضة الغسال القوية على يده كانت كافية لإفهامه.
• حسنا على مهلك ، سأعطيك الآن ألفي أوقية مقابل الدراعة والسروال وغدا حين أعيدها إليك سأدفع لك الباقي.
ارتخت قبضة الغسال قليلا لكنه لم يتكلم، أخذ الألفين .. ثم تشاغل بتجميع ملابس متناثرة.
لدى خروجه كان الغسال يقول كلاما غير مسموع فهم منه كلمة الشرطة، فمنبه سيارة الاجرة كان متواصلا.
اهتز الهاتف مرة واحدة، ثم انقطع.. أعاد الاتصال بالرقم، سمع كثيرا من اللوم تدرج إلى عتب، كان منصتا وهادئا، ثم أجاب:
• يا عزيزتي الرحلة من الدار البيضاء إلى نواكشوط تستغرق ساعتين ونصف الساعة، ما زال لدي الكثير من الوقت،
• لكن لا أريد أن أرى أحدا قبلك في المطار .. قالت الفتاة التي يتعلق بها ولم يسبق أن رأى حتى صورتها.
• لن تري أحدا قبلي
• وكيف سأميزك؟
• سأكون مرتديا دراعة بيضاء وقميصا أزرق، وأحمل لوحة عليها اسمك
• إسمي.. هل جننت ؟.. أهلي سيكونون في استقبالي، ولو رأى أحد منهم لوحة بيدك عليها اسمي ستبيت ليلتك في مفوضية الشرطة.
• إذا سأحمل صورتي التي أرسلت إليك قبل أيام.. ستعرفينني على أي حال .. فقلب المحب دليله.
كان الهاتف يرن في أذنه منبها إياه على قرب انتهاء الرصيد.. استعجل إنهاء المكالمة قائلا:
• المهم سأكون هناك قبل الموعد.. انتبهي لنفسك.. لكن الكلمة الأخيرة لم تصل إليها.
توقفت السيارة للمرة العاشرة ، لكنها الآن عند مفترق طرق مدريد ، سلم السائق خمسمائة ونزل بانتظار مائته المتبقية، لكن السائق المتذمر دائما، أجابتها بعنجهية:
• انتظرتك أكثر من عشر دقائق، هذه المائة لي.
لم يجبه لكنه أغلق الباب بعنف، فانطلق صاحب السيارة بما سمحت له الزحمة من سرعة.
حين قطع الجانب الجنوبي من الطريق، تذكر أنه كان يحمل دراعة وسروالا دفع مقابلهما ألفي أوقية لمدة أربع وعشرين ساعة، إلتفت شمالا، لكن السيارة اختفت في الزحمة وجاءت دونها شاحنة كبيرة تحمل أكثر من طاقتها الاستيعابية من أكياس الفحم.
صرخ بأعلى صوته مستوقفا السيارة، لكن نظرات المارة وركاب السيارات ومزامير المستعجلين أربكته، توجه إلى صاحب سيارة مركونة قائلا:
• أريدك أن تتبع تلك السيارة، فقد نسيت فيها ما قيمته أكثر من خمسين ألفا.
• كم ستدفع لي.. ؟ أجابه السائق ببرود
• أدفع لك ما تريد .. المهم أن ألحق بها
• لا أضمن لك ذلك.. لكن اركب.. هل تعرف إلى أين تتجه؟
• إلى السوق المركزية
• السوق .. السوق.. السوق.. كان السائق يصيح باحثا عن ركاب آخرين
• ماذا تفعل..؟ أقول لك صاحب السيارة ذهب بــ…
• هل ستدفع مقابل الركاب الستة المفترضين
• نعم ولكن انطلق بأقصى سرعتك..
كانت الزحمة خانقة، مر نصف ساعة قبل وصولهما تقاطع الحرس، انعطف السائق يمينا متسائلا ببرود:
• هل تعرف اسمه.. أو رقم سيارته؟
• طبعا لا.. لو كنت أعرف ايا من ذلك لكنت اتصلت بصديقي في الشرطة ولم أدفع لك ستمائة أوقية.
بعد عشر دقائق كانت السيارة تقف عند ملتقى طرق شرق السوق المركزية، نزل منها ملقيا نظرة على وجوه سائقي السيارات المزدحمة، عله يميز السائق المطلوب من بين الوجوه، لكن السائق استحثه ساخرا:
• ادفع لي مئاتي الست، ولديك بقية اليوم لتبحث عن إبرة في بحر.
أعطاه ألفا فأعاد إليه الباقي،
وهو يتفحص الوجوه على طول الطريق، وقعت عينه على سيارة تقف أمام أعرشة بها نساء يعملن في تلوين الملابس، كانت إحداهن تعطي ورقة لرجل مستعجل يغلق بإحكام باب سيارته، 
حاول أن يستوقفه بالصراخ ، لكن السائق الذي رآه في مرآته المكسورة، انطلق بسرعة فائقة سالكا طريقا رمليا بين البنايات، حاول أن يعرف رقم السيارة، لكنها لم تكن تحمل لوحة خلفية.
سأل صاحبة المحل إن كانت تعرف الرجل ، وقبل أن تجيب أردف قائلا:
• هذه الدراعة وسروالها لي، وقص عليها كل التفاصيل،
لم يبد على وجه السيدة التي تلوك عودا من الأراك أنها فهمت شيئا مما قال، لكنها أجابته أن أسعار التلوين تختلف حسب نوعية الملابس وتدرج ألوانها.
عبثا حاول أن يشرح لها، توجه إلى كومة من الملابس وأخذ منها الدراعة والسروال المطويين بشكل جيد،وقال لها:
• هذه لي
• أجابت باستغراب: هذه لصاحب السيارة الذي انطلق قبل قليل
• هل تعرفين اسمه أو رقم هاتف؟
• لا أعرف
متذمرا، أخرح هاتفه من جيبه، حاول الاتصال بصديقه ابراهيم الشرطي، لكن الهاتف كان مغلقا، فشحنته منتهية.
مستغرقا في الورطة التي وقع فيها، قرر العودة إلى توجنين، نظر إلى ساعة الراكب المحشور بين اثنين على يساره، كانت الساعة الثانية وخمس دقائق، خطر له أن يتوقف عند ملتقى مدريد فقريبا منه أقارب له عادة يأتيهم صديقه ابراهيم ومن عندهم يشحن هاتفه، كان العطش يأخذ منه مأخذا، اشترى من البقالة المجاورة عصيرا باردا دفع مقابله مائتين، ومائة دفعها لبائع الرصيد لتحويلها إلى هاتفه.
حين دخل بيت أقاربه ابتسمت والدتهم الخمسينية قائلة:
• جاءكم الفرج، ها هو أحمد وصل، أعرف أن جدي أحد الصالحين ولم استغث به في ضائقة إلا فرجت.
• متفاجئا من كلامها أجابها قبل أن يسلم :.. خيرا.. ماذا هناك؟!
• فاطمة تعاني من آلام حادة في البطن، أعتقد أنها الزائدة، كنا نحتاج من يأخذها إلى المستشفى.
• ولكن لا سيارة معي
• أعرف ولكن لا بد أن تجد لنا سيارة أنظر حالها..
نظر إلى الشابة المتلوية ألما، تذكر ما كان بينهما من سابق المودة، قبل أن يتزوجها ابن عمها الذي هاجر العام الماضي إلى إسبانيا، وبعث إليها رسالة طلاق وعشرة آلاف بعد ولادة طفلها.
• حسنا.. ضعي هاتفي في الشحن حتى أجد سيارة أجرة.
• سأحتاج منك ألفي أوقية حتى نهاية الشهر، فليس لدي ما أشتري به الدواء لها.
لم يجبها كان فكره مشغولا بالدراعة والسروال.
واضعا سترته على رأسه لتقيه حر الشمس، حاول شق صفوف الخارجين من المسجد، لكن أحدهم سحب السترة بعنف قائلا:
• حتى ولو أخفيت وجهك يمكنني تمييزك من بين ألف رجل.
التفت لمعرفة مصدر الصوت لكن الرجل لم يمهله
• ألم تقل لي إنك ستدفع لي اليوم ألفين على الأقل،؟ هل تعتقد أن الأنترنت مجانا؟.. تسهر كل ليلة مع تلك الفاسقة، حتى الفجر ولا تريد أن تدفع.
• لو قلت هذه الكلمة مرة أخرى سأحطم وجهك، إنها أشرف وأطهر منك.
• لو كانت شريفة ما كانت تسهر معك كل ليلة وهي لا تعرفك
• هذا ليس من شأنك
• اعطني ما وعدتني به، فلدي فاتورة كهرباء لا بد من سدادها اليوم
• خذ هذه الألف والألف الباقية سأعطيها لك لاحقا
• مستحيل…تعرف أني أطالبك بأربعة ألاف وصبرت كل هذه المدة
• لدي ظرف خاص فاطمة قد تحتاج عملية.. قالها وهو يتملص منه، لكن صوته ما زال يصل إليه وهو يهدده باستدعاء الشرطة
عاد بسيارة أجرة دفع لها أربعمائة اوقية لتوصل فاطمة وأمها إلى المستشفى، وهي تغلق باب السيارة نادت عليه:
• وماذا أفعل هناك؟
• ليس لدي سواها.. أخرج ألفا من محفظته ولم يبق فيها سوى مائة واحدة
• جزاك الله خيرا، قالتها المرأة الخمسينية وهي تحكم قبضتها على الألف، فيما كان رنين الهاتف يستحثه على الدخول.
فتح الهاتف العتيق من دون النظر إلى الرقم لكن صوتا مرعوبا مزج بغضب صاح به قائلا
• أين أنت؟
• تأكد من الرقم فإذا هو الغسال.. ما ذا تريد؟
• اريد الدراعة التي معك حالا، صاحبها واقف فوق رأسي…أحاول الاتصال منذ ساعة.
• هاتفي كان مغلقا… ولكن..
• من دون لكن .. إذا اكتملت الساعة ولم تكن الدراعة هنا، فلا تلم إلا نفسك.. كان صوت شخص آخر بدا متشنجا قبل أن ينهي المكالمة.
أراد معاودة الاتصال، لكن الجملة المعهودة أصمت أذنه” ليس لديك رصيد…
• غير معقول .. حولت قبل قليل مائة أوقية
• اتصلت منها ماما قبل قليل.. قالت طفلة تمص إبهامها..
• بمن اتصلت..؟
• بمحمد في ساحل العاج.. قالت إنها لم تكفها ورمتها هناك.
وضع السترة على رأسه، مشى عشر دقائق، وانتظر عشرا أخرى، ليزدحم مع ثلاثة في مؤخرة سيارة متهالكة إلى توجنين.
كانت سيارة شرطة واقفة أمام المغسلة، ومنها أشارت يد إليه، وقبل أن يتمكن من رفع السترة عن رأسه، انهالت صفعة قوية على خده، وهوت يد قوية أخرى على رأسه، وألقي في مؤخرة السيارة.
****
في المطار ..
كانت فتاة متأنقة تجر خلفها حقيبة جلدية راقية، تغادر شباك ختم الجوازات، غمرتها أحضان والدها الذي كان ينتظرها قرب الشباك، وهو يدخن سيجارا فاخرا، ابتلعتها سيارة رباعية الدفع كانت تقف أمام الباب مباشرة،…
وهي تتفحص وجوه المنتظرين الفرحين والقلقين، ألقت نظرة على صورة في هاتفها الذكي لتتذكر ملامحه لكن زجاج السيارة المظلل حال دون ذلك..
**** 
في قسم الشرطة، كان محقق بدين مكتئب يدخن بشراهة يسأله عن اسمه؟
أجابه وهو يمسح بيده قليلا من الدم عن شفته السفلى ويبتسم:
• إسمي حامدينو
• ولماذا تبتسم… ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى