فسحة سرد

الكرسي المحجوز

بلهفة من لم ير بريده الألكتروني منذ مدة.. فتحت باب المصعد، وبارتباك من يسمع كلمة “أحبك” أول مرة، ضغطت الزر الثالث، وبعد لأي انفتح الباب بهدوء شديد، كمن يخاف ان يوقظ مصابا بالأرق.

ألقي نظرة سريعة على محتويات الشقة، التي أخطأت مفتاحها أربع مرات..لم يتحرك شيء من مكانه، مزهرية على الطاولة، لوحة زيتية لوجه نصف مبتسم، يشع بنظرة مدروسة، ..جهاز كومبيوتر في وضع سبات، وبقية ما في الصالة التي لم يغير ترتيبها منذ شهرين..

أمام خزانة الملابس تبعثرت جملة أسئلة؛ أي قميص؟ أي سروال؟ أي ربطة عنق؟ اي الألوان تراها تحب؟

هي فنانة أوتيت ملكوت الذوق الرفيع، أخشى ان أقابلها بقميص لا يناسب مزاجها، هل تفضل الملابس الرسمية، أم الملابس الصيفية؟..الجو معتدل وكلها تناسبني..أتلمس ذقني.. لم تحلق منذ شهرين..وانتصب سؤال آخر:

أستعجب بي ملتح أم حليقا..؟

يهتز الهاتف في جيبي؛ سبع دقائق قبل الموعد، ولكن ماذا ألبس؟!

أمرر يدي على القمصان، آخذ قميصا أبيض قصير الذراعين..وسروالا أسود..؛رسميا كثيرا..وضعته، أخذت آخر أزرق..؛لا يناسب القميص..

اهتز الهاتف من جديد، ست دقائق قبل الموعد… لما ذا أبحث عن ذوقها؟ سقط السؤال على باب الخزانة.

اخترت قميضا أزرق سماويا، وبذلة رمادية فاتحة، رشة أو اثنتين من عطري المفضل، ..لا وقت لتشذيب اللحية، لأخرج بطبيعتي،..وعلى مرآة المصعد عقدت ربطة العنق بشكل مثلث، مررت منديلا على حذائي..

بنفس كلمات الترحيب التي حفظتها منذ شهرين دعتني النادلة للجلوس،ومع أنها تعرفني لا أدخن، فقد رددت نفس النص القديم؛ هذا الجانب للمدخنين، وهذا لغير المدخنين، وهذه طاولات للجلسات المختلطة،..

أخترت طاولة من المجموعة الأخيرة، تطل على جانب حديقة يفوح منها أريج الزهور العبقة، ورائحة الفودكا..

لدينا قائمة مشروبات صيفية استحدثت اليوم فيها عصائر فواكه طازجة، وهذه القائمة التقليدية، قالت النادلة وهي تمسك قلمها كصحافي في ندوة لا يفهم كلام ضيوفها..

شايا أخضر بالياسمين مثلجا، قطعة حلوى…وماء بدون غاز…لم يكن الجو بتلك الحرارة، مع ذلك كان حلقي يحترق..

أنظار من في المقهى تتحول فجأة إلى المدخل الشرقي..قامة فارعة، شعر أشقر منسدل، ووجه بتعابير محايدة،..تتقدم خطوتين، تتوقف لسماع محاضرة النادلة لمدة ثلاثين ثانية،.. تجلس في الطاولة المحاذية يسارا لطاولتي..

أرتشف قليلا من الشاي..أزيد السكر قليلا..أفتح قنينة الماء..ثم الصفحة الخامسة والسبعين من مجموعة ” الليل الأخير”..يتسرب صوت ناغم إلى مسامعي..كانت تلتفت إلي بزاوية خمس وثمانين درجة،..نفضت سجارتها بلباقة, أخذت نفسا قصيرا وقالت:

– مساء الخير..

لم يكن الوقت مساء، نظرت ساعتي وقلت: مرحبا

– معذرة على مقاطعتك.. هل اشتريته من هنا..؟ صوت مذهب ونظرة حارقة من عينين عسليتين..وأنامل تكبس بود عقب سجارة لإخمادها..

– تقصدين الكتاب..؟

– أجل..

– لا

– قرأته قبل ثلاث سنوات..اشتريته خلال رحلة قادتني لجزيرة جربة في تونس.. أفكاره جميلة، ولغته قوية، وجدت صعوبة في فهمه المرة الأولى..

– يحدث ذلك أحيانا.. وأعدت نظري للكتاب

– يبدو بيننا اهتمام مشترك..قالتها وهي تستخرج سجارة جديدة، وتنظر إلي برموش ناعسة مغوية..

– ربما

– هل يمكن أن أقترب او تقترب أكثر، فكلامك لا يصلني بوضوح..

– ما ذا تقصدين؟

– إن كان لا يضايقك أن أجلس على الكرسي المقابل لك..؟

– عرض مغري..همست لنفسي، وأنا أجول ببصري في المقهى الذي أحسسته مندهشا لهذا التقارب المفاجئ..

– هل تنتظر أحدا؟

رغم جمالها الأخاذ فقد ضايقني كسرها صمتي..إخراجي من وحدتي..من رحلتي إلى أغوار نفسي..من متعة الحديث الصامت الذي دار قبل جلوسها..

– نعم.. هل في ذلك ما يزعجك؟…لم يكن صوتي ودودا بما فيه الكفاية

– ليس بالضرورة..خشيت فقط أن لا يأتي مثل أمس..

غريب..!

لم أر وجهها من قبل، ولم تكن أمس هنا..: من قال إني كنت أنتظر أحدا يوم أمس؟

– ليس الأمس وحده،..فقد أثار فضولي اختيارك نفس الطاولة وفي نفس الموعد منذ ايام..أخذت نفسا عميقا من سجارتها..سربته بهدوء ثم قالت: ثلاثة أيام.. اليس كذلك..؟

– هل أعرف الغاية من مراقبتي؟

– أنا أعمل في محل بيع العطور المقابل للمقهى..كنت أراك من الزجاج..تزحزت قليلا عن كرسيها، وهي تشير على النادلة ان تضيف حسابي إلى حسابها..ألا تريد أن أجلس معك..؟

– لم أعتد على ذلك..

– على ماذا؟

– على ان تدفع عني امرأة لا أعرفها..

– لم تبد رغبة في ذلك..

– ربما لم توجد.. آخذ الفاتورة من يد النادلة..شكرا لك..ربما في المرة القادمة..

– هل ستكون هناك مرة قادمة..

– لا أعرف

– متى يأتي من تنتظر؟

أحدق فيها بنظرة مرتابة، مستغربة ومنزعجة..

تستطرد وهي تنظر إلى سجارتها، هناك أماكن جميلة كثيرة..واليوم إجازة..

أتأكد من صفحة الكتاب، أطبقه على صورة لوجه نصف مبتسم..: ربما حين تأتي نمر بك لشراء عطر يعجبها..

– بل لأهديه لكما..هل ستأتي اليوم..؟ قالتها بمزيج من الجذل واليأس

– أعتدل واقفا..أدخل بطاقة الإئتمان في محفظتي..ترفع عينيها بنظرة ماسحة..وخيط دخان يغادر بكسل شفتيها الحمراوين..

– يوم الإثنين..

– ولكن اليوم سبت..قالتها بصوت مرتفع قليلا, وبنبرة مستغربة مغتاظة..لماذا انتظرتها إذا..؟!

– أتجاوزها بخطوتين، وبابتسامة مذيع نشرة الثالثة فجرا، أقول: لأحجز الكرسي المناسب..

– ولكن…أنا…لمَ أنت…لحظة من فضلك…إنتظر…خذ رقم…هـ..يـ..ـه..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى