كلمات متناثرة

استيراد الخلاف..

مقال قديم

” قبل أن أحدثك في ما تريد.. أريد أن أعرف مذهبك وقبيلتك” بهذه العبارة افتتح اللقاء أحد من التقيتهم من معتنقي المذهب الشيعي في موريتانيا خلال حديث جانبي معه.

 سيتبادر إلى الذهن سؤال عن جدية السؤال وسائله، وقد يثار استغراب من صيغته.. لكنه كان سؤالا محوريا وعلى ضوء إجابتي عليه تحددت معالم التعامل معي.

قبل سنوات كان السؤال المرادف لهذا السؤال هو الجزء الأخير منه، لكن التطور الفكري والتبادل الثقافي والانفتاح دون تنقيح كان رافدا لكثير من الأفكار الواردة خلال العقود الخمسة المنصرمة من عمر الدولة الوليدة، وهي الأفكار التي استوردت بصراعاتها ذات الطابع الديموجغرافي المختلف تماما عما عليه الحال في موريتانيا.

أثار سؤال ضيفي جملة أسئلة عن الخريطة السياسية في موريتانيا ومدى جدية الصراعات والتحالفات وأسسها؟

وبالقاء نظرة سريعة على لوحات الأحزاب السياسية المشكلة للمشهد المورتياني وجدتني التقيت من قدم لي نفسه على أنه ممثل حزب البعث العربي السوري في مورتيانيا وآخر قدم حزبه أنه ممثل الفكر الخميني وحزب آخر يقدم على أنه واجهة الاخوان المسلمين فضلا عن عضو الأممية الاشتراكية وربيب الحزب الشيوعي الصيني.. إلى آخر الخريطة التي نعرف جميعا محطات تشكلها.

لكن عمق الصراع السياسي وما شهدته لقاءاتي مع قادة بعض هذه الاحزاب جعلني أتساءل عن الحزب الموريتاني؟

ليس الاعتراض على استيراد الافكار فنحن توقفنا عن التصدير منذ قرون وما زلنا نستورد الإبرة وما تخيط .. وحتى بطاقات تعريفنا الوطنية.

لكن ما ذنب هذا الموريتاني المثقل بالارتفاع الشهري لأسعار المحروقات وغياب محطة للحافلات قرب الشارع الثالث شمال بيته، العاجز عن شراء دواء مزور، او حليب منتهي الصلاحية لأطفاله، ما ذنبه في صراع القوميين والاسلاميين في الشرق العربي؟

ما علاقته بإعدام جمال عبد الناصر لسيد قطب، ومساعدة حزب الله في ذبح الشعب السوري؟

أي ناقة له في الصراع حول البرنامج النووي الإيراني، وأي جمل له في مساعي دول الخليج للحفاظ على وحدتها المذهبية؟

لماذا يلقى به في أتون صراع سياسي يتقاتل ثيرانه في حلبة لا يصل إليها صراخ تشجيعه أو عويل ندبه؟

ما الذي سيستفيد عاطل عن العمل في نواكشوط حمل لافتتة كتب لها تسقط دولة المرشد في مصر؟

وما الذي سيصل إلى منتسب لآل البيت في موريتانيا من خمس ما يجمعه حزب الله لتقوبة ترسانته العسكرية؟

وهل حتما على القومي العربي أن يكره الاسلامي الموريتاني لأن  الهاشمي شارك في حكومة ما بعد صدام حسين؟

وهل يدفع بعثي موريتاني ثمن تجريم الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا؟

ما علاقتي أنا المواطن الموريتاني البسيط بسعي الولايات المتحدة الأمريكية لرفع قيمة العملة الصينية والقضاء على الطموح النووي في شبه الجزيرة الكورية؟

هل لأن ميشيل عفلق لم يكن مسلما، يتوجب علي كره المعتزين بأفكاره..

مهلا أيها السياسيون ..

الأرض تسعنا جميعا..

في الأرض متسع لشاب إسلامي يبكي لسقوط صاروخ على غزة.. وفيها مكان لهذا اليساري الرافض لهيمنة رأس المال المكتسب من عرق الكادحين.

في الارض موطئ قدم لهذا الشيعي الذي يلطم وجهه في عاشوراء بجانب هذا الشاب الذي يستمع إلى أغنية غاضبة لفيفتي سنت.

لو استمر هذا الاستيراد الزائد على حاجة السوق المحلية ستتضخم عملة الصراع..

يكفينا ما كنا فيه من تقسيم بين عرب وزوايا ومعلمين وحراطين وإقاون..

كان مبررا معرفيا في حقبته لحاجة الأمة إلى من تنسد إليه ما يتقنه.. وبالكاد نحاول تجاوزه.

لكن أن يتصارع الشيوعي والاسلامي والقومي والشيعي والسلفي والمتصوف والمتغرب، ليس لاختلاف بينهم في رؤية الأصلح لمورتيانيا بل لأن نظراءهم في بلدان أخرى يتصارعون فتلك طامة قاضية.

مد يك صافحني .. اجلس معي تناول كأس الشاي المنعنع أدر مذياعك على ولد أحمد زيدان وهو يعزف أشبار لقنيدية.. حدثني عن جرائم نوفل وبطولات ناصر الدين، وجهاد ماء العينين، ورسائل ولد التلاميد وقصائد ولد الطلبة، وحفظ لمجيدري.. وحلة الأربعين.. حدثني محمود مسومة العاشق وعن ولد امسيكة المقاوم، وعن ولد عبدوكه .. عن المزوزة.. عن هنون عن شربب وتنبنبه عن تنيكي عن أبيرات الشوك.. عن أي شيء حدث هنا على هذا الأرض .. اكرمني أو امقتني لكن ليكن بسبب هذه الارض.. استورد أفكارك من هناك من الصين ومن العراق ومن محلات الوجبات السريعة في صحراء نيفادا.. لكن لا تسورد معها صراع أهلها..

أجلس بقربي .. قل لي ما تراه مناسبا لحكم هذه الأرض بناء على تجارب الآخرين في الحكم.. لكن لا تنس أن نصف أهل هذه الأرض لا يعرفون شيئا عن الصراع القائم في الأماكن التي استوردت منها أفكارك.. ولا يهمهم ان كان المصريون نصبوا مرسي أو السوريون اسقطوا الأسد.. او أن منشأة برشين بها ما يكفي من الماء الثقيل واليروانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، فنصفهم ما زال يشرب من بئره التي فطرها جده.

اجلس عزيزي.. فالأرض تسعنا جميعا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى