فسحة سرد

ولماذا يضحك؟!

قصة قصيرة

 على غير عادتها، كانت زوجتي تقف على باب الكوخ الخشبي في كامل صحوها وتقول إن الشاي جاهز،.. لم أصدق سمعي فلم يحدث أن استيقظت في هذا الوقت،.. كان ابني ينتزع المسبحة من يدي ويضحك.. يضعها في فمه، يرميها على الأرض ويضحك..نوبة غريبة من الضحك انتابته من غير سبب..

رددت مريم : ألم تسمع؟ قلت لك تعال فقد بردت كأسك..
حملت ابني على كتفي كان مشدوها إلى المسبحة قرب طاولة التلفزيون وما زال يضحك، أثارت ضحكاته زوجتي فلم تتمالك أن ضحكت..وضحكت أنا أيضا..
– من أين جئت بكل هذا؟
– من دكان سيد أحمد؟
– ألم يقل لك البارحة إنه أغلق الدفتر حتى نهاية الشهر؟
– بلى.. ولكني فوجئت به اليوم وهو يسلم علي منبسط الأسارير يحمل على كتفه كيس الخبز، فانتهزت الفرصة وطلبت كل شيء دفعة واحدة، لم يعلق ولو بكلمة كان يتابع أمرا ما من شق بابه، أعطاني ما طلبت وحملني السلام إليك..
– غريب!
***
في الكوخ الخشبي المخصص للأمتعة وجدت ملابسي مرتبة،.. قميصا قرمزي اللون مكويا حديثا وضع على بنطال أسود، حذاء ملمعا وعليه جوارب جديدة؟
– من فعل هذا يا مريم؟
– أنا
– متى؟
– استيقظت لدى خروجك إلى الصلاة فأردت أن استغل انتظاري عودة سيد أحمد من المخبز في كي قمصانك…
لا شك أن إحدى بنات خالها عادت من سفر أو رزقت بمولود..قطعا  أن عندها طلبا كبيرا ستلقيه على كاهلي…تمتمت بذلك وأنا أريح عبق عطر جميل ضمخ به القميص..
قبلت ابني قبل الخروج، وحين أنزلته عن كتفي حبا إلى السرير يتوقف كل سنتمترات يلتفت إلى أحد جانبيه ويضحك..يضع كل ما وقعت عليه يده في فيه .. كأنه وزير.

***
على الرصيف المغبر وأنا انتظر الحافلة كان تصرف زوجتي الغريب يشغل ذهني، لم أستوعب هذا التفاني والنشاط المفاجئ، وهذه السعادة التي غمرت الجميع فجأة حتى سيد أحمد – الذي يتجادل الجيران في حقيقة أنه فقد إحدى قواطعه في حرب الصحراء لأنه لم يبتسم يوما- قالت مريم إنه لم يعلق على ما أخذت من دكانه…

أخرجني منبه سيارة فارهة من سورة شرودي، أشار إلي صاحبها بعد ما توقف في منتصف الطريق.. تقدمت خطوات منه مستفهما عن غرضه..
– ألست قاصدا وسط المدينة؟
– بلى سيدي ..
– تفضل إذا
– شكرا لك.. أنا أنتظر الحافلة
– تعال.. أنا ذاهب أصلا إلى مجمع الوزارات ما يضيرني لو حملت من يؤنسني ؟
– جزاك الله خيرا
كان الخطاب الطويل لرئيس الجمهورية ما يزال متواصلا في الإذاعة، وصوت مكيف السيارة أضفى عليه هدوء ناسب وعوده..

أحسست بشي صلب في جيبي، تلمسته فإذا ورقة مقتطعة من كيس الشاي، كتب عليها بخط رفيع متداخل الحروف كأن صاحبه كان مرتبكا” عد سالما.. أحبك..أم بلال”
انفجرت ضاحكا..، خفض الرجل المتأنق صوت المذياع، وقد استغرب ضحكي المفاجئ، فاسترق النظر إلى الورقة، ثم غلبت ابتسامة ملامحه الرسمية..
– معذرة مسبقا.. ولكن ألم تجد غير هذا الاسم لابنك؟
– أنت أيضا تعترض عليه؟!
– لا أظنه لأحد من أقاربك..أليس كذلك؟
– جدتي رحمها الله توفيت وهي ترفض أن تنادي ابني بهذا الاسم، قالت إنها رأت في منامها أحد الأولياء يخبرها أن ابني سيكون اسمه يحيى وقد أزعجها إصراري على بلال، الذي ليس موجودا في شجرة عائلتنا…
أعدت النظر إلى الورقة، وضحكت من جديد..

غريب أمر زوجتي مرت خمس سنوات منذ تعارفنا لم تقل لي يوما “أحبك”، حتى أيام الجامعة حين أهديها ما استطعت شراءه من منحتي تكتفي بالقول : لماذا تكلف نفسك..؟
وفجأة اليوم تستيقظ فجرا، تجهز الشاي، تكوي الملابس، تلمع الحذاء وتقول “أحبك”!
***
لم تكن في الطريق زحمة ، وكأن الناس مشغولون بأمر عظيم، حتى المتسولون الذين تعج بهم ملتقيات الطرق في مثل هذا الوقت كانوا قلة، ولم يكونوا متحمسين، ربما لأنه لا ازدحام يجبر السائق على التوقف، حاولت إحداهن الوقوف مستندة إلى عكازها لكن السيارة لم تتمهل عند الضوء الأحمر فعادت المسكينة لمواصلة حديثها مع جارتها التي كانت باسمة.
لم أجد في مقر الشركة حين أنزلني الرجل الكريم عندها سوى بائع بطاقات رصيد الهاتف، سلم علي بحرارة بعدما نزع سماعة من أذنه اليمنى قائلا: ألن تشتري بطاقة.. كل شركات الاتصال ضاعفت الرصيد اليوم؟
– ما المناسبة؟
– لا أعرف، استخدمت بطاقة في هاتفي الشخصي فأظهرت رصيدا مضاعفا ثم اكتشفت أن كل الشركات لديها عروض مماثلة.
– لا بأس إذا.. ووضعت في يده المائة التي كنت سأركب منها الحافلة طالبا تحويلها إلى رصيد
في الساعة العاشرة، وبعد ما أكملت تنظيف المكاتب وجلبت الإفطار للمدير العام، ووضعت الإبريق على الفرن لأعد له الشاي، ناداني مدير الموارد البشرية، كانت قسماته عابسة خلافا لكل من التقيت اليوم، نظرني شزرا، وقال بصوت أجش كأنه يصدر من أمعائه: شكرا لإخلاصك، لا داعي لتحضير الشاي، هناك من سيقوم بتلك المهمة.
– هل لك حاجة ترسلني إليها؟
– لا..ولكن الشركة استغنت عن خدماتك
– ارتعدت فرائصي، حاولت أن أقرأ في عينيه بريق المازح، أو أن أحفزه بصمتي على تفسير ما قال، غير أن شابا آخر قاطعني بقوله أين تضع السكر ؟
– هناك في الخزانة المحاذية لمدخل قاعة الاجتماعات…قلت ذلك وأنا شارد.

 تماسكت واستجمعت كل قواي وقلت للمدير: هل يمكن أن أفهم خلفيات القرار؟
نظر إلى ببرود، وقال: من لا يشكر الناس لا يشكر الله.. ثم أشعل سجارته وألقى بثقله الكامل على مسند الكرسي
على بوابة الخروج استقبلني بائع بطاقات الرصيد قاطعا حديثه مع أحد زبائنه: سمعت أنهم فصلوك.؟
– سمعت ذلك
– هل عرفت السبب؟
– لا، لم يقدم لي تفسيرا
– سمعت أن المدير العام قال إن ابنك كان يضحك اليوم وهو ينظر إلى الرئيس في التلفزيون…

 قال ذلك وهو يشغل مكبر الصوت المعلق على كتفه…”تحويل رصيد الف ألف وخمسمائة، ألفين أربعة آلآف…” فيما كنت أتفرس في وجوه السائقين بحثا عن فاعل خير.. ويدي تضغط قطعة ورق صلبة من كيس شاي”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى