مرفأ الأحاديث

الآلة لا تبتسم..

لأني مغترب تفصلني أربع ساعات عن التطورات السياسية في بلدي كثيرا ما أطيل السهر، وكثيرا ما تكون بداية عملي في وقت مبكر جدا، ولأن “جيمات الشاي الثلاثة*” لا تتوفر في هذا الوقت عادة، أجدني مضطرا لتناول بعض المنبهات التي تساعد على التركيز في استقبال يوم حافل بالمتناقضات..
اقتحمت حياتي عادة جديدة تتمثل في تناول قهوة متوازنة بين البن والحليب والسكر، أميل إلى جعلها متوازنة لربطها نفسيا بتوازن الشاي والنعناع والسكر في كأسي الصباحية المفترضة..
بعد ربع ساعة من اطلاعي على مستجدات اليوم ومتغيرات الأمس أتوجه عادة إلى غرفة يسار المدخل الرئيس للطابق الرابع من بناية تجمع أكبر عدد من ثقافات العالم ومكتوب على مدخلها ” نرى الأمل حيثما كان” .. عبارة كتبت بعناية وخط واضح، يعتقد كل من يراها أنها موجهة إليه.
في تلك الغرفة مشروع مطبخ؛ به ثلاجة وكثير من الأكواب ومسخن كهربائي وقبل مدة أضيفت إلى تلك المعدات آلة لإعداد القهوة.
ويدخله بين الحين والآخر ياسين..
ياسين هذا رجل خمسيني، وفد مثل الملايين من أهل بلده إلى الامارات، – مثلي تماما يبحث عن كسرة خبر بكرامة – يملأ فراغ يومه الطويل بإعداد القهوة والشاي للعاملين في الطابق الرابع من تلك البناية، يتقن الرجل عمله بامتياز، يدندن بصوت خافت أغنية تميل إلى الحزن كما يبدو من شجنه، وإن كنت لا أفهم كلماتها، وتلازمه دائما ابتسامة.
ابتسامته تلك هي التي جعلتني أحبه، فهي تجعلني أفهم معنى الجملة المكتوبة على المدخل، وتذكرني بابتسامة شِغالي..
شغالي شاب حملته الأقدار من سهول شمامة إلى وكالة الأخبار المستقلة في نواكشوط، لا يزيد طوله ولا وزنه منذ عرفته قبل أربعة أعوام، يقرر الزواج قبل كل إجازة سنوية، لكنه لا يفعل، ربما فعلها في العطلة الماضية.. لا أعرف.
شغالي مثل ياسين يشعرانك أنك تقدم لهما خدمة حين تطلب من أحدهما شايا، أو قهوة بالنسبة للأخير.
كنت أحرف بيت جرير حين أخاطب شغالي ممازحا فأقول:
فصب الكأس إنك من نمير.. فلا أكلا جلبت ولا شرابا.
يضحك دائما حين أقول ذلك، وحين يجلب الكأس يقول .. إشرب كأسا إنك من نمير.. لا يدرك شغالي طبعا رمزية نمير في التراث العربي، وربما لا يأسف على ذلك.
ياسين جاد قليلا، أو يحول جاحز اللغة دون إظهار جانبه الضاحك من شخصيته، لكنه يبتسم وهو يقدم لك القهوة، يدور في غرفة أخبار مترعة بهموم اثنين وعشرين بلدا عربيا، يحفظ موضع كل كأس وصاحبها، وحتى ذوق قهوته أو شايه، يكفي أن تطلب منه ما تريد.
حين وضعت آلة إعداد القهوة في غرفة مشروع المطبخ ووزعت مثيلاتها في أركان البناية ومداخلها، بات كثير منا يراها أكثر تنوعا وعملية، لا يحتاج الأمر سوى وضع كأس ورقية تستعمل مرة واحدة، والاختيار بين الأزرار التي تشتت ذائقتك بين ثقافات العالم من القهوة الأمريكية إلى الكابوتشينو الإيطالية وحتى الشاي بالليمون الذي يوصي به الجزائريون المصابين بالزكام الشتوي.
لا يتسغرق الأمر أكثر من دقيقة وتأخذ الكأس التي تحتاجها، وحين ترتشف آخر قطرة فيها، ترميها في أول علبة على يسارك،..فهي لا تحمل اسمك وبلا ذاكرة.
على العكس من ياسين قد تضطر لانتظار عشر دقائق قبل أن تأتيك قهوتك، فهو مثل شغالي يحرص على تنظيف أكوابه جيدا، ويعطي للسكر فرصة للذوبان بهدوء كأنه يتنصت على حديثه إلى تلك القهوة القادمة من مزارع البن في إفريقيا الوسطى والمعلبة من شركة سويسرية.
في البناية المقابلة توجد آلة تزويد الهاتف بالرصيد، للأسف لا يوجد باعة رصيد في شوارع هذا البلد، لم أجرب هذه الآلة سوى مرات قليلة، ولم أشعر بتواصل معها، فصاحب البقالة الباكستاني الذي يحتل ركن بناية منزلي يخاطبني بعفوية دائما، بل مرات يقترح إدخال البطاقة نيابة عني حين يراني مشغولا، وكذلك بائعات المراكز التجارية، يعطينك ما تريد بابتسامة تدعوك ضمنيا إلى العودة مرة أخرى.
لو قررت الحكومة مثلا أو شركات الاتصال في موريتانيا توزيع تلك الآلات في شوارع العاصمة، سيكون ذلك ابتكارا رائعا يقلل زحمة السير في نقطة ساخنة، وحوادث المرور في طريق لكبيد- الداية 11.. هذا مسلم به.
لكن بعد فترة ستصيب الكآبة كثيرا منا، فنحن نستمد جزء من سعادتنا من ابتسامات أولئك البسطاء الذين يشعرونك أنك في نعمة لا تنتبه إليها، وهم ربما أحسن منك حالا..
فياسين مثلا يقول إن غناءه الشجي يساعده في خفض التوتر.. شغالي لا يحبذ ربط شايه بأوضاع نفسية..
الأهم من كل ذلك أن البعد الانساني في طريقة إعداد وتقديم القهوة أو الشاي لن تجده عند آلة وزعتها شركتها مجانا لتفرض عليك رؤيتها الثقافية وتجبرك على تكييف ذوقك معها، وتدرج اسمها في قائمة مشترياتك نهاية الأسبوع..
فضلا عن كل ذلك شغالي وياسين يبتسمان.
===* في التراث الموريتاني أن الشاي لا يستقيم إلا باجتماع ثلاثة جيمات (الجمر والجماعة والجر) الجر يعني التمهل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى