مرفأ الأحاديث

في انتظار المصير..

“…لا جديد يذكر سوى الجانب الاقتصادي فالأزمة المالية تفعل أفاعيلها فينا أفكر جديا في الذهاب إلى إحدى الدول الإفريقية و خصوصا ساحل العاج سمعت أن هناك فرصا لأمثالنا العاطلين عن العمل …لا تفكر حاليا في موريتانيا ، فكر في مستقبلك الشخصي و فق فقه الأولويات”
كانت تلك خاتمة رسالة وصلتني قبل أيام من صديق، آمن ذات يوم بحلم اسمه موريتانيا، تكبد عناء الدراسة في أقصى الولايات المنسية شرقا، تجاوز الباكالوريا في أول محاولة وكان الثاني في الترتيب وطنيا ، وجاءت مكافأته على التفوق سريعة بحرمانه من التخصصات الثلاثة التي اختار، وألقي به في لجة تخصص بائر البضاعة في سوق العمل المحلية، فلم يفقده ذلك حماسه، إذ أكمل الدراسة، وختم الجامعة كما ختم الثانوية وهو الأول على كليته، غير أنه أضاف إلى ذلك إتقان اللغة الانجليزية والفرنسية، نطقا وكتابة أما العربية، فما غادر بيته وبه حاجة لزيادة فيها.
محملا بطموح الشباب، وشوق العودة، آب إلى ربوع ما كان يعتقده وطنا، حفظ أسماء المكاتب وعناوينها عن ظهر قلب، وحفظ ما فيها من وجوه تفننت جميعها في إذلاله، لكن نخلة العزم في ذهنه لم تجتث، فعلق الشهادات التي خسر ثلثي عمره في تحصيلها على جدار كوخ قصديري في حي عشوائي بمقاطعة عرفات، وتحتها قبالة المدخل وسام من رئاسة جامعته وثلاث شهادات لدورات متقدمة في الانجليزية، تستقبل زار الكوخ، ثم نزل إلى الشارع ليعمل نادلا في مطعم.
إنه أحد ثلاثة أصدقاء كلما التقيتهم ازددت مقتا لهذا البلد البائس، والعصابة المتحكمة فيه، فالآخران، حصل أحدهما على شهادة مهندس في المحروقات، وكان الأول على الدولة التي درس بها وليس على الجامعة فقط، وحين عاد إلى نواكشوط لم يجد غير العمل مشرفا على مقهى للانترنت.
وأما الثالث فصادف قدومه إعلان مسابقة في الحرس الوطني، تطلب شهادة الباكالوريا، فقدم لهم شهادة مهندس دولة في الأوتوماتيك، فرفضوها، وكان له في مصير من سبقوه عظة، فلم يتردد في إلغاء خمس سنوات من حياته، والالتحاق بصف الحرس.
هم ثلاثة من خيرة أبناء البلد، وغيرهم عشرات، ليس منا من لا يعرف من عاشوا أسوأ من هذه الظروف، وشواهد الانحراف المؤسسي، وتقزيم حملة الشهادات تتراكم مذ ارتكب العالم جريمة الاعتراف بنا دولة في الأمم المتحدة، ولا يفتتح البيان الأول عهدا إلا بكينا على سلفه.
هؤلاء العباقرة ربما ساهمت تربيتهم وتكوينهم العلمي ونبوغهم في اقتناعهم بالصبر على الطريق التي اختاروا، غير أن أحدا لن يلومهم لو غيروا يوما مسارهم تحت وطأة العوز، فغادروا العاصمة غربا في قوارب الموت، أو شرقا إلى كتائب الموت، أو جنوبا إلى معاقل الفقر والمرض والمهانة، فأن يموت شاب وهو يحلم بالحياة خير له من حياة يتوسل إلى الموت كل غداة أن يطرق بابه.
ومن يعود إلى بيته مساء كل خيبة، وقد زادت ديونه بقوت يوم، ونقص عمره بيوم، ورأى في طريق عودته أقواما يتطاولون في البينان، كانوا يوم غادر أرضه حفاة عراة عالة، تركوا مقاعد الدراسة حين كان دخان شمعته يرسم على الحائط خطا أسود، أو يضطر لاستعمال بقايا زيت طعام أسرته، يغمس فيه فتيلا مقتطعا من هامش ثوب أخته لانعدام ثمن الشمعة..
ومن يدخل على مكتب يستقبله موظف على أريكته، يذكره وجهه بيوم كان ينزوي في الفصل يرمق الجالسين قربه بعين شاخصة تفيض استعطافا، وبعدما كلت كل المناكب التي حملته واستيأس الأساتذة والمديرون اختفى عن الأنظار ليصير بقدرة قادر موظفا رسميا في الدولة يتحكم في مصير من أفنى الشباب يصارع وحده كل مغريات الهجرة..
ومن يقدم ملفه المشحون بالشهادات العلمية لمدير مؤسسة، فيسأله عن أسرته بدل النظر في محتويات الملف..
ومن يعمل متدربا في مؤسسة بتعويض أقل من تكلفة الوصول إليها، ويكون المسؤول المباشر عنه شخصا فشل في كل مراحل التعليم، فقذفت به القرابة إلى صدارة مجلس لا تسعفه معرفته بتصدره، يتشاغل بمداعبة سجارته حين يناقش المثقفون قضاياهم..
من عاصر كل ذلك، لا تطربه اسطوانة الوعود المشروخة التي تلوكها ألسنة القادمين إلى القصر الرمادي، والمتفيئين ظلاله، ومن يسبح بحمدهم.
… في ختام آخر رسالة من هذا الصديق قال: ” أدعو الله لي فأنا أنتظر مصيري”
كانت الكلمة مؤلمة، يتفطر القلب لدى قراءتها،.. فأن يقول لك شاب مثله بنبرة يائسة إنه ينتظر مصيره، فهذا يعني احتمالات لا قدرة على حصرها…. فأي مصير تراه ينتظر؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى