مرفأ الأحاديث

لست جنرالا يا أبي

هات يدك ودعني…

ارفع رأسك قليلا، دع تلك الدمعة الصافية تنزل باستقامة على خَدك، لقد كبرت يا أبي.. كبرت فأدركت أن الرجال يبكون..

اقرأ آية الكرسي بانتباه، اكتب “الباء” على جبهتي، لا داعي لافتعال التجلد.. أنا أعرفك.. أعرفك جدا.. وأعرف وطني.

إني مهاجر .. 

فتلك سنة من كان مثلي، لا يثنيه عنها بكاء “حَصان عليها نظم در يزينها “.

انظر وجهي الشاحب، تر عيني غائرتين من “سهر الدجى” “يابس الجنبين من غير بؤس”، حفرت معالم الشيخوخة طريقها في جبيني، ولما أكمل العشرين، وتمددت عروق ذراعي كأنابيب مشروع “بحيرة الظهر” على طريق الأمل.

لستُ من مازن يا أبي .. 

ولا أرضى “بالموت في العشرة”، لن يفقدوني الأمل، لم أنجح في امتحان الثانوية، ولكني لست فاشلا، ولا يمكن أن يكون عدم النجاح فشلا، أنا واحد من بضعة وثلاثين ألف شاب ينتظرهم مصير مجهول.. لكني أرفضه.

في الأرض منأى.. وفيها بقاع لا يسأل فيها الأخ أخاه دليلا.

لا تلتفت.. لا ترخ قبضة يدك على يدي.. “أطل الوداع..”.

في رجفة يدك وأنت تشد لثامك قصة خيبة عمرها نصف قرن، وما أنت في ذلك مليم، فهذه الأرض طاردة.

لماذا تحزن؟!

ألم تكن لتقف وقفتك هذه لتودعني لو نجحت، هل في مدينتك جامعة؟!

ألم تقفها قبل عام وأنا بين الحياة والموت لأَن علاجي استدعى سفرا إلى العاصمة، إذ ليس في مدينتا جرّاح؟ 

ما الفرق بين الهجرتين..؟

إذا غاب الحبيب فلا عبرة بالمسافة..

وفر وعظك يا أبي.. فأنا أصدق حرصك.. ولكن من سواي يصدقه؟

هل ألوم مدرسا لا يكفيه راتبه إن صار تاجرا؟

هم ألقوا بضعة وثلاثين ألفا منا في اليم مكتوفين.. فكيف يلام الغريق على البلل.. كيف لا نفشل في الامتحان إن كان النجاح حكرا على الأغنياء؟

كيف لا نفشل إن كانت بقرتنا الوحيدة، لا تلد عجلا من ذهب؟

لا يساورك القلق.. فقد هاجرت وأنت أصغر مني وأقل خبرة في الحياة.. وأنا على ملتك.

قوارب الموت غربا تنتظرني.. كتائب الموت شرقا تنتظرني.. غابات الموت جنوبا تنتظرني.. ولكني أبحث عن الحياة.

هنا يا أبي لك أنت .. أنت راضٍ بما أنت فيه، لا ألومك لكن ماذا سأفعل إن بقيت؟

من يزوجني إن خطبت، من يعيلك إن عجزت، من سيشترى دواء أمي غدا..؟

اصبر قليلا.. عاما واحدا أو عشرة.. وسأعود.

وحين أعود تذكر يومك هذا، وأنت تودعني وحيدا، وتعود أدراجك.. تشيعني بنظرة أمل أن تنداح الأرض فلا تغيب الحافلة عن ناظريك حتى أصل.. تذكره جيدا، فيوم عودتي سيمتلأ بيتك بالزائرين، وستعج ساحته بالذبائح.. سيأتيك أناس لم يزوروك قط في غيبتي، وربما لم يلاحظوا يوما أني هاجرت..

ولكن لأَنِّي عائد من هجرة فأنا مظنة للغنى.. أو رائد لدرب موحش يتلهفون لسماع أخباره..

لن يأتوا حبا لك أو لي.. بل لما صرت إليه.

اكتب “الصمد” بأصابعك الخمسة في كفي.. هل لاحظت أنك اخترت هذا الاسم الحسن لله تعالى .. إنه صمد.. يقصد حيث كنت.

هذه الأرض ليست لي.. أنا بلا سند، أنت لست جنرالا.. لست رئيسا.. لست من الأثرياء الجدد.. لست تاجرا حتى.. فكيف أبقى هنا.

صدقني يا أبي إني أهاجر كي أقيم هنا.. إني أفر بأملي بحثا عن أرض لا يغتال فيها.. لم يبق لي سواه .. فاعذرني.

هذه الأرض تغتال الأمل ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى