مرفأ الأحاديث

ذاكرتي المسروقة

عشر سنوات طوال وأنا أرتب رفوفها، أصفف مجلداتها، أنتقي بعشوائية منظمة ما يستحق أن يحفظ فيها، أعود إليها بين الحين والآخر وأحذف منها الذكريات التي أفترض أن صلاحياتها انتهت ـ وكثيرا ما اكتشفت أن ذاك الحكم كان خاطئا، فالذكريات لا تنهي صلاحياتهاـ. عشر سنوات وأنا أطوف العالم، وربوع الوطن، بحثا عن شتاتي، أهاجر وأهجّر، أقيم وأرحل، أضحك وأبكي، أتوسل وأجامل، أبتسم في عز حزني، أفتعل التغافل، تتقاذفني الوجوه المكفهرة والباسمة.. عشر سنوات وأنا أحاول اختزال ثلاثين عاما في ذاكرة احتياطية، ثم تسرقها أنت.

يؤلمني أيها السارق المحبط أنك ستصدم حين تطلع على تلك الذاكرة التي كانت لفرط بساطتها بارزة، لم أكلف نفسي عناء إخفائها وأنا أرتب حقيبة سفري. ليتك تعرفني.. ليتك تعرف أني حين أرتب حقيبتي مسافرا لا أضع فيها سوى ما أحتاج إليه، ففي المطارات العربية كل شيء عرضة للسرقة.. حتى الذكريات. 

افتحها على مهل! ستجدها طاهرة من الفيروسات، مرتبة بعناية يستقبلك فيها ملف بعنوان “الماضي السحيق”.. وحين تفتحه ستجد طفلا قزعي الرأس، يحتضن سلاحا بلاسيتيكيا، يرش الماء.. ويجلس في حضن امرأة صنعت منه اليوم رجلا مسلحا بالحبر. هل تعرف كم أمضيت من الوقت بحثا عن تلك الصورة؟ وهل تعرف أني لم آخذ مما خلفه أخي المنتقل إلى رحمة الله بفعل انعدام سيارة إسعاف في عاصمة البلد الاقتصادية إلا تلك الصورة؟ هل تعرف لماذا؟ لأنها كانت أعز ما يملك، فهي أقدم صورة لي ولأمي، وهي الوحيدة التي تجمعنا وإياه. ترى هل ستحافظ عليها.. من أجل تلك الذكرى؟

صديقي. نعم أنت صديقي. بل أنت أكثر من ذلك، ففي بيتك الآن ثلاثون عاما من حياتي.. في بيتك الآن تضحية فقير، ونضال طالب، وغضب عاطل، وفرح موظف، ومغامرات صحفي، ويؤلمني أن من بين تلك المغامرات ما كان على أرضك، ففي ذلك المطار، دخلت قبل سنوات أحمل حلمي على عدستي، وعبرت منه إلى خط الموت، وعدت مبتسما.

ستجد فيها صور الفرحتين، فرحة العائد من الحرب، وفرحة العائد إلى الحب، وتوثيقا لثلاث سنوات من النعيم، مختزلا في ابتسامة خجولة في مصعد كهربائي، ونظرة دائفة على وقع موسيقى منبعثة من نافورة في غابة إسمنت، وليلة العمر في فندق خماسي النجوم.. آآآخ.. جميل أن بعض ذكرياتي لا يحتاج إلى ما سرقت.

ما لا تعرفه أيضا أنك سرقت ذاكرة بلد، فتلك القطعة الصغيرة المهملة في بيتك الآن، كان فيها أكثر من أربعة آلاف صورة تؤرخ لما قبل ميلاد الدولة الموريتانية، بها نشوة الفرح الأولى، حين يعلن الرئيس المؤسس بلغة فرنسية وبلكنة حسانية قيام الجمهورية الإسلامية الموريتانية، بها أول اجتماع تحت خيمة في العراء، وحفلة عيد ميلاد العاصمة الأول، بها صور سبعة رؤساء انقلب بعضهم على بعض من دون أن تسيل قطرة دم واحدة.

بها صور الانقلاب على أول رئيس مدني لم يكمل الفطام في قصره، تلك الصورة التي كلفتني علامة سوداء على ظهري من ضربة شرطي حانق، ليس لأن نظاما ديموقراطيا اعتدي عليه، بل لأنه يعلم أني سأحتفظ بصورته وهو يحرس بوابة وزارة الداخلية، التي أعلن من مبانيها وصول الرئيس المنتخب إلى السلطة. بها آلاف الصور عن فساد الحكومات، وعن أطفال الشوارع، وأخبية العجائز، وحقول الفقراء، والبيوت المهجورة.

أنت الآن تعرف من أنا، وتعرف أني موريتاني، ولكن قد لا تعرف أن الموريتاني ضعيف الذاكرة، وأني كنت أحتفظ بذلك القرص الصغير لأواجه به تلك الآفة، فغدا قد يأتي إلى قريتنا أحد الذين نبت لحم أكتافهم من قوت الأيتام، ويقول إنه قديس ولا شيء يثبت أنه تلوث يوما في بؤرة الفساد.

قد يقول الرئيس الموريتاني الحالي بعد أشهر إنه لم يرتبك يوما خطيئة الانقلاب على رئيس منتخب، وقد يقف ضده من كانوا في كتيبته البرلمانية، وقد يدعمه من كانوا يطالبون برحيله عن السلطة، وقد تراني أنا – إن كنت تشاهد التلفزيون الموريتاني- من بين الداعمين له، لأني فقدت كل ما كان يذكرني بالماضي.

أعرف أنك لن تعيد إلي ذاكرتي، وأنك قد تكون بعتها بما حوت لغيرك، وقد يكون المبتاع، حذف كل محتوياتها، ليملأها بذكرياته، ولكن فقط إن كتب لك أن ترى يوما هذا المقال، أو يراه من صارت الذاكرة في حوزته، أن ترسل أو يرسل إلي تلك الصورة، فأنا لا أملك منها نسخة أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى